المسعودي
119
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وفيها مات أبو خالد يزيد بن سنان بمصر ، وصلى عليه بكار بن قتيبة القاضي ، وشخص الموفق لمحاربة صاحب الزنج في صفر ، سنة سبع وستين ومائتين ، وقدم الموفق ابنه أبا العباس في ربيع الآخر إلى سوق الخميس ، وقد كان الشعراني صاحب العلوي قد تحصن بها في جمع كثير من الزنج ، ففتح هذا الموضع ، وغنم جميع ما كان فيه ، وفتح مواضع كثيرة ، وقتل من كان فيها من الزنج ، وسار الموفق إلى الأهواز فأصلح ما أفسده الزنج ، ثم عاد إلى البصرة ، فلم يزل منازلا لصاحب الزنج حتى قتل ، فكانت مدة أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ، يقتل الصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، ويحرق ويخرب . وقد كان أتى بالبصرة في وقعة واحدة على قتل ثلاثمائة ألف من الناس . من أعمال المهلبي بالبصرة : وقد كان المهلبي من علية أصحاب علي بن محمد بعد هذه الوقعة بالبصرة ، فنصب منبراً بالموضع المعروف بمقبرة بني يشكر ، وكان يصلي يوم الجمعة بالناس ، ويخطب على ذلك المنبر لعلي بن محمد ، ويترحم بعد ذلك على أبي بكر وعمر ، ولا يذكر عثمان ولا علياً في خطبته ، ويلعن جبابرة بني العباس ، وأبا موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص ، ومعاوية ابن أبي سفيان ، على ما قدمنا من قوله في هذا الكتاب ، وأنه كان يذهب إلى رأي الأزارقة من الخوارج . ولما ركن من بقي بالبصرة إلى هذا الفعل من المهلبي بها اجتمعوا في بعض الجمع ، فوضع فيهم السيف ، فمن ناج سالم ، ومن مقتول ، ومن غريق ، واختفى كثير من الناس في الدور ، والآبار ، فكانوا يظهرون بالليل ، فيأخذون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها ، والفيران ، والسنانير ، فأفنوها حتى لم يقدروا منها على شيء ، فكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه ، ويراعي بعضهم موت بعض ، ومن قدر منهم على صاحبه قتله وأكله وعدموا مع ذلك الماء العذب .